الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

163

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولكون الاستفهام غير حقيقي جاء جوابه من قبل المستفهم . وهذا كثير في القرآن وهو من بديع أساليبه ، كقوله : عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [ سورة النبأ : 1 - 2 ] . وتقدم عند قوله تعالى : قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ في سورة الأنعام [ 12 ] . وإعادة فعل الأمر بالقول في قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ الذي هو تفريع على الإقرار بأن اللّه ربّ السماوات والأرض لقصد الاهتمام بذلك التفريع لما فيه من الحجة الواضحة . فالاستفهام تقرير وتوبيخ وتسفيه لرأيهم بناء على الإقرار المسلّم . وفيه استدلال آخر على عدم أهلية أصنامهم للإلهية فإن اتخاذهم أولياء من دونه معلوم لا يحتاج إلى الاستفهام عنه . وجملة لا يَمْلِكُونَ صفة ل أَوْلِياءَ ، والمقصود منها تنبيه السامعين للنظر في تلك الصفة فإنهم إن تدبروا علموها وعلموا أن من كانت تلك صفته فليس بأهل لأن يعبد . ومعنى الملك هنا القدرة كما في قوله تعالى : قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً في سورة العقود [ 76 ] . وفي الحديث : « أو أملك لك أن نزع اللّه من قلبك الرحمة » . وعطف الضر على النفع استقصاء في عجزهم لأن شأن الضرّ أنه أقرب للاستطاعة وأسهل . قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ إعادة الأمر بالقول للاهتمام الخاصّ بهذا الكلام لأن ما قبله إبطال لاستحقاق آلهتهم العبادة . وهذا إظهار لمزية المؤمنين باللّه على أهل الشرك ، ذلك أن قوله : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ تضمّن أن الرسول - عليه السّلام - دعا إلى إفراد اللّه بالربوبية وأن المخاطبين أثبتوا الربوبية للأصنام فكان حالهم وحاله كحال الأعمى والبصير وحال الظلمات والنور . ونفي التسوية بين الحالين يتضمن تشبيها بالحالين وهذا من صيغ التشبيه البليغ . و أَمْ للإضراب الانتقالي في التشبيه . فهي لتشبيه آخر بمنزلة أو في قول لبيد :